الذهبي

878

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

عليه ، وله سَلَفٌ أكرمهم ، وإنّي أحب أن أعرف رأيه - يعني فينا - فقال عَمْر بن بزيع ، والفضل بن الربيع : نحن له ، فخرجا من العَرْج إلى موضعٍ يُقال له : خَلْص ، حتى وردا عليه بالبادية في مسجدٍ له ، فأناخا راحلتيهما بمن معهما ، وأتياه على زِيّ الملوك في حشمة ، فجلسا إليه ، فقالا : يا أبا عبد الرحمن نحن رُسُلُ مَن وراءنا من أهل المشرق يقولون لك : اتق الله ، وإنْ شئت فانهض ، فقال : وَيْحكما ، فيمن ولمن ؟ قالا : أنت ! قال : والله ما أحبّ أنّي لقيت الله - عَزَّ وَجَلَّ - بمحجمة دمِ مسلم ، وأنّ لي ما طَلَعَتْ عليه الشمس ، فلمّا آيسا منه قالا : إن معنا عشرين ألفًا تستعين بها ، قال : لا حاجه لي بها ، قالا : أعطِها مَن رأيت ، قال : أعطياها أنتما ، فلما آيسا منه ذهبا ولحقا بالرشيد ، فحدثاه ، فقال : ما أبالي ما أصنعُ بعد هذا ، قال : فحج العمري في تلك السنة ، فبينا هو في المسعى اشترى شيئا ، فإذا بالرشيد يسعى على دابة ، فعرض له العمري ، فأتاه حتّى أخذ بلجام الدّابّة ، فأهْوَوْا إليه ، فكفّهم الرشيد ، وكلّمه - يعني وعظه - فرأيت دموع الرشيد تسيل على مَعْرفة دابّته ، ثمّ انصرف . وروى عليّ بن حرب الطّائيّ ، عن أبيه قال : مضى هارون الرشيد على حمار ، ومعه غلام إلى العُمريّ فوعظه ، فبكى الرشيد ، وحُمِلَ مَغْشِيًّا عليه . قال إسماعيل بن أبي أُوَيْس : كتب عبد الله العُمريّ إلى مالك ، وابن أبي ذئب ، وغيرهما بكُتُب أغلَظَ لهم فيها ، وقال : أنتم علماء تميلون إلى الدنيا وتلبسون اللين ، وتدعون التقشف ، فكتب له ابن أبي ذئب كتابًا أغلظ له ، وجاوَبه مالك جواب فقيه . وقيل : إن العمري وعظ الرشيد مرة ، فتلقّى قَوله بنعم يا عمّ . فلمّا ذهب أتبعه الأمين والمأمون بكيسين فيهما ألفا دينار ، فلما يأخذها ، وقال : هو أعلم بمن يفرّقها عليه ، ثم أخذ من الكيسين دينارّا ، وقال : كرهتُ أن أجمع عليه سوء القول وسوء الفعل . وشخص إليه بعد ذلك إلى بغداد ، فكره الرشيد مجيئَه ، وجمع العمريّين ، وقال : ما لي ولابن عمْكم ؛ احتَمَلْتُه بالحجاز فأتى إلى دار ملكي يُريد أن يُفسد عليّ أوليائي ، رُدُّوه عنّي . قالوا : لا يقبل منّا ، فكتب إلى الأمير موسى بن عيسى أن يرفَق به حتّى يرده . أحمد بن زهير : حدثنا مُصْعَب الزُّبَيْريّ قال : كان العُمريّ جسيما أصفر ،